محمد عبد العزيز الخولي

146

الأدب النبوي

والاستشكال للقصة من جهتين : الأولى : أن نذرها من قبيل نذر المعصية وهو لا ينعقد . والثانية : أنه ما كان ينبغي لأم المؤمنين أن تهجر الهجر المحرم والجواب عن ذلك أن عائشة رأت أن ابن الزبير ارتكب بما قال أمرا عظيما وهو قوله : لأحجرن « 1 » عليها . فإن فيه انتقاصا لقدرها ، ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها اللّه تعالى ، مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين ، وخالته أخت أمه ، ولم يكن أحد عندها في منزلته . فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق ، والشخص يستعظم ممن يلوذ به ما لا يستعظمه من الغريب ، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته ، كما نهي صلى اللّه عليه وسلم عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه ، عقوبة لهم لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر ، ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من المنافقين مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم وازدراء « 2 » بالمنافقين لحقارتهم . فعلى هذا يحمل ما صدر من عائشة ، وأنها رأت الهجر من النوع المأذون فيه ، فنذرته ، وكفّرت عنه لما لم تف به بمكالمتها ابن الزبير . وانظر هذا الأدب العالي من الصحابة مع أم المؤمنين وكيف كان حرصهم على مرضاتها ، وانظر حرصها على الوفاء بنذرها ، وكيف بكت لما فاتها وكيف سخت نفسها بأربعين رقبة حررتها كفارة عن نذرها ، ثم ما برحت تبكي بعد ذلك بكاء شديدا على نذرها ؛ أن لم تف به ! هكذا يكون الحرص على شرائع الدّين واحترام أمهات المؤمنين . 59 - باب : الصدق والكذب وأثرهما عن عبد اللّه بن مسعود عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « عليكم بالصّدق ، فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة ، وما يزال الرّجل يصدق ، ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند اللّه صدّيقا ، وإيّاكم والكذب ، فإنّ الكذب

--> ( 1 ) لأحجرن : حجّر الشيء ضيقه . ( 2 ) ازدراء : ازدراه : حقّره وعابه .